المقدمة

قراءة في 4 دقائق

بدأت الحكاية سنة 2016، من غير أن أخطّط لها.

كان هناك شخص له قدر كبير من الاحترام عندي، وكان كاتب مقالات أدبية وتربوية، كان يريد أن يوصّل صفحته لناس أكثر عن طريق الإعلانات. جاءني وقال لي: «حاول أن تبحث في هذا الموضوع، ونرى كيف ننفّذه». لم يكن عندي خلفية، ولا كورس، ولا أحد يوجهني، لكن كان عندي شيء واحد: أنني أحب البحث لدرجة أنني لا أترك موضوعًا إلا بعد أن أجمع كل معلومة متاحة عنه.

قعدت أقرأ وأجرّب. يومًا بعد يوم، وجدت نفسي واقعًا في حب هذا المجال. صناعة الإعلانات المدفوعة (Media Buying) لم تكن بالنسبة لي وظيفة، كانت لغزًا أحب أن أحلّه، ودائمًا أفكر كيف أحسّن النتائج.

وبعد أول تجربة، جاءني صاحب ثانٍ، وبعده ثالث. وشيئًا فشيئًا، الأمر الذي بدأ كمساعدة لأصحابي أصبح عملًا بعائد مادي. وفي سنّي وقتها، كان هذا العائد كبيرًا عليّ.

لكن ليس المال هو الذي حمّسني لأكمل. الذي حمّسني شيء آخر: إحساس أنني أعرف ما لا يعرفه أغلب من هم في سنّي. أحسست أنني سابق، وأن في يدي مفتاحًا لم يكتشفه الناس بعد.

مرّت 11 سنة من يومها حتى اليوم.

في هذه السنين، رأيت المجال يتقلّب أكثر من مرة. قواعد كانت مضمونة، توقفت عن العمل. أدوات كنا نعتمد عليها، اختفت. المنصة نفسها تغيّر طريقة عملها كل فترة، وكل تغيير يقلب حسابات ناس كثيرين.

ورأيت شيئًا آخر، أصعب.

رأيت زملاء لي في المجال — ناس بارعون — توقفوا عن التطوير. اكتفوا بما يعرفونه، وظنوا أن ما نجح أمس سينجح غدًا. واللعبة تغيّرت من تحت أرجلهم وهم واقفون. اليوم، ناس منهم لم يعودوا يعملون في المجال أصلًا. الحرفة التي كانت في أيديهم، تركتهم وابتعدت عنهم.

هذا ما جعلني أكتب هذا الكتاب، الآن بالذات.

نحن في لحظة يتغيّر فيها المجال أسرع من أي وقت مضى. الذكاء الاصطناعي دخل شغلنا، ويعيد ترتيب الأوراق كلها. ومن لن يتعلّم أن يفكّر بشكل مختلف، سيجد نفسه — من غير أن ينتبه — مركونًا على الرف.

لذلك، هذا الكتاب ليس مثل الكورسات التي تراها.

لن أعلّمك أين تضغط. سأعلّمك كيف تفكّر.

الأزرار والإعدادات تتغيّر كل شهر تقريبًا. لو علّمك هذا الكتاب مكان زر معين، سيكون في الغالب قديمًا وتغيّر قبل أن يصلك الكتاب أصلًا. لكن طريقة التفكير — هي التي تبقى. هي التي تجعلك تتأقلم مع أي تغيير قادم، بدلًا من أن يجرفك التغيير.

دعني أكون صادقًا معك من أول سطر.

أنا لا أدّعي أنني أفضل Media Buyer في السوق. أنا رجل يجتهد ويسعى، وما يميّزني أنني أفكّر بطريقة مختلفة عن المألوف. وهذا — بعد توفيق ربنا — ما أُرجع إليه نجاح أغلب حملاتي.

ولكي أبقى صادقًا: المعلن الشاطر لا يعني أن كل حملاته تنجح. هذا أكبر مفهوم خاطئ في المجال. الحملات تفشل أحيانًا، وفي بعض الأحيان لا علاقة لهذا الفشل بخطأ منك — هناك عوامل كثيرة تؤثّر في النتيجة، أكبر من يدك. شغلنا أن نجتهد ونتقن ونفكّر بشكل صحيح. أما النتيجة، فرزق نسعى له ولا نضمنه لأحد.

الكتاب سيبني لك هذا بالترتيب.

ستخرج منه ومعك منظومة تفكير كاملة تعملها قبل أي إعلان. وإطار يجعلك تختار الاستراتيجية التي تناسبك أنت، لا التي على الموضة وفي التريند. وشجرة تشخيص تمسك بيدك عندما تتعثّر النتائج ولا تعرف أين المشكلة. ويبني لك أساسًا في الأتوميشن والـ AI يوفّر لك ساعات شغل كثيرة كل أسبوع. وقاموس في آخر الكتاب يفكّ به أي مبتدئ شفرة المجال.

كتبت الكتاب وفي دماغي القارئ المبتدئ أكثر من غيره. ليس لأنه الأهم، لكن لأن المعلومة الصحيحة تصنع فرقًا معه أكثر. المبتدئ الذي يفهم بشكل صحيح من أول مرة، يتغيّر مساره كله.

وإن لم تكن مبتدئًا — لو أنت صاحب بيزنس يعلن بنفسه، أو Media Buyer لك سنين في المجال — فالكتاب كتبته لأجلك أيضًا. في كل فصل ستجد زاوية تخصّك أنت.

اليوم، بعد 11 سنة، ما زلت أتعلّم. وهذا المجال ما زال يحمّسني مثل أول يوم. الفرق الوحيد أنني تعلّمت أن من يبقى ليس الأشطر — من يبقى هو من لا يتوقف عن التعلّم.

تعالَ نبدأ.